الشنقيطي

428

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

حدثنا أحمد بن يونس ثنا الليث ( ح ) وثنا عيسى بن حماد ، أخبرنا الليث بن سعد ، عن بكير ابن عبد اللّه ، عن عبد الملك بن سعيد ، عن جابر بن عبد اللّه قال : قال عمر بن الخطاب : هششت فقبلت . . . إلى آخر الحديث بلفظه المذكور آنفا . ولا يخفى أن هذا الإسناد صحيح ، فإن طبقته الأولى أحمد بن يونس وعيسى بن حماد . أما أحمد فهو ابن عبد اللّه بن يونس الكوفي التميمي اليربوعي ثقة حافظ . وعيسى بن حماد التجيبي أبو موسى الأنصاري الملقب زغبة ، ثقة . وطبقته الثانية الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري ثقة ثبت ، فقيه إمام مشهور . وطبقته الثالثة بكير بن عبد اللّه بن الأشج مولى بني مخزوم أبو عبد اللّه ، أو أبو يوسف المدني نزيل مصر ثقة . وطبقته الرابعة عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري المدني ثقة . وطبقته الخامسة جابر بن عبد اللّه عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . فهذا إسناد صحيح رجاله ثقات كما تر . فهو نص صحيح صريح في أنه صلى اللّه عليه وسلم قاس القبلة على المضمضة ؛ لأن المضمضة مقدمة الشرب ، والقبلة مقدمة الجماع ؛ فالجامع بينهما أن كلا منهما مقدمة المفطر ، وهي لا تفطر بالنظر لذاتها . فهذه الأدلة التي ذكرنا فيه الدليل الواضح على أن إلحاق النظير بنظيره من الشرع لا مخالف له ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم فعله ، واللّه يقول : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] ، وهو صلى اللّه عليه وسلم لم يفعله إلا لينبه الناس له . فإن قيل : إنما فعله صلى اللّه عليه وسلم لأن اللّه أوحى إليه ذلك . قلنا : فعله حجة في فعل مثل ذلك الذي فعل ، ولو كان فعله بوحي كسائر أقواله وأفعاله وتقريراته ، فكلها تثبت بها الحجة ، وإن كان هو صلى اللّه عليه وسلم فعل ما فعل من ذلك بوحي من اللّه تعالى . مسألة قال ابن خويز منداد من علماء المالكية : تضمنت هذه الآية الحكم بالقافة ؛ لأنه لما قال : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ دل على جواز ما لنا به علم ؛ فكل ما علمه الإنسان أو غلب على ظنه جاز أن يحكم به . وبهذا احتججنا على إثبات القرعة والخرص ؛ لأنه ضرب من غلبة الظن ، وقد يسمى علما اتساعا . فالقائف يلحق الولد بأبيه من طريق الشبه بينهما ، كما يلحق الفقيه الفرع بالأصل عن طريق الشبه . وفي الصحيح عن عائشة رضي اللّه عنها : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دخل علي مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال : « ألم تر أن مجزز المدلجي نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد عليهما قطيفة ، قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال : إن بعض هذه الأقدام لمن بعض » « 1 » وفي حديث يونس بن يزيد : وكان مجزز

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الفرائض حديث 6771 ، ومسلم في الرضاع حديث 39 .